هل استهلاك مواد الطباعة ثلاثية الأبعاد مبالغ فيه للغاية؟ ألا يمكن إعادة استخدام البقايا والمخلفات؟


وقت النشر:

2021-11-12

هل استهلاك مواد الطباعة ثلاثية الأبعاد مبالغ فيه للغاية؟ ألا يمكن إعادة استخدام البقايا والمخلفات؟

في السنوات الأخيرة، دخلت تقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد تدريجياً إلى دائرة اهتمام الجمهور بفضل مزاياها مثل التخصيص الفردي والتشكيل السريع. ومن المجسمات الإبداعية إلى القطع الصناعية، ومن النماذج الطبية إلى المكونات المعمارية، ما زالت ساحات تطبيق هذه التقنية تتوسع باستمرار. غير أن العديد من المستخدمين، بينما ينعمون بتسهيلات هذه التقنية، يواجهون مشكلة واقعية: فمواد الطباعة ثلاثية الأبعاد تنفد بسرعة كبيرة، وتتراكم كميات كبيرة من المواد المتبقية والنفايات، مما يؤدي إلى إهدار الموارد وزيادة التكاليف. فهل يمكن حقاً التخلص من هذه المواد التي تبدو «عديمة الفائدة»؟ وهل من الممكن إعادة استخدامها لتحقيق «تحويل النفايات إلى كنز»؟

السبب الكامن وراء سرعة استهلاك المواد الاستهلاكية: تأثير مزدوج يجمع بين الخصائص التقنية وعادات الاستخدام

تتوقف سرعة استهلاك خيوط الطباعة ثلاثية الأبعاد في المقام الأول على خصائص تقنية الطباعة نفسها. فعلى سبيل المثال، في تقنية الترسيب المنصهر (FDM) الأكثر شيوعًا، يتطلب عملية الطباعة تسخينًا مستمرًا للخيط وترصّه طبقةً تلو الأخرى، مما يجعل كفاءة استخدام المادة شديدة التأثر بعوامل مثل بنية النموذج وتصميم الدعم. على سبيل المثال، قد يؤدي النموذج المعقد أو الهياكل التي تتطلب دعمًا كبيرًا إلى ارتفاع نسبة هدر الخيط إلى أكثر من 30%. بالإضافة إلى ذلك، تُفاقم عادات الاستخدام لدى المستخدمين هذه المشكلة؛ إذ يُخفق بعض المبتدئين في إعداد المعلمات بشكل صحيح، ما يؤدي إلى فشل الطباعة ويتطلب إعادة المحاولة المتكررة، بينما يفرط بعض المستخدمين في استخدام مواد الدعم سعيًا وراء سطح ناعم للنموذج. بل إن البعض يُضطر إلى استبدال الخيط مبكرًا بسبب سوء حفظه، مثل تعرضه للرطوبة أو الأكسدة، مما يؤدي إلى تدهور خواصه.

إن تكدس هذه المواد المتبقية والنفايات لا يشكّل عبئًا اقتصاديًا فحسب، بل يتعارض أيضًا مع مفهوم التنمية الخضراء الذي يُروّج له في الوقت الراهن. ووفقًا للإحصاءات، ينتج قطاع الطباعة ثلاثية الأبعاد على مستوى العالم سنويًا مئات الآلاف من الأطنان من النفايات البلاستيكية، ومعظمها لا يُعاد تدويره بشكل فعّال. ولذلك، باتت مسألة الحدّ من الهدر وتحقيق إعادة تدوير الموارد من القضايا الملحة التي يتعيّن على القطاع معالجتها.

الاستخدام الثانوي للمواد المتبقية والنفايات: الجدوى من الناحية النظرية والتطبيقية

هل يمكن إعادة استخدام المواد المتبقية والمخلفات؟ الجواب هو نعم، لكن ذلك يختلف باختلاف الحالات.

بالنسبة إلى «المواد المتبقية»، أي المواد الاستهلاكية التي لم تُستَخدم بالكامل لكنها لا تزال بحالة جيدة، فإن إعادة تدويرها واستخدامها أمرٌ بسيط نسبيًا. فعلى سبيل المثال، يمكن إعادة إذابة خيوط PLA أو ABS المتبقية في طباعة FDM، ثم بثقها مرة أخرى لتشكيل خيوط جديدة. وتتوفر في الأسواق آلات خاصة لإعادة تدوير المواد الاستهلاكية؛ إذ يُمكن للمستخدم سحق المواد المتبقية وإدخالها إلى الجهاز، حيث تمرّ بعدة مراحل تشمل التسخين والبثق والتبريد، لتنتج خيوطًا جديدة بقطر 1.75 ملم أو 3 ملم. ورغم أن هذه العملية قد تؤدي إلى انخفاض طفيف في خصائص المادة نتيجة التسخين—مثل انخفاض القوة بنسبة 10% إلى 20%—إلا أن ذلك يكفي تمامًا لتصنيع النماذج أو المجسمات غير الحاملة للأحمال. بالإضافة إلى ذلك، يعمد بعض المستخدمين إلى خلط المواد المتبقية ذات الألوان المختلفة لإنتاج تأثيرات «موزاييك» فريدة، مما يجعل هذه الطريقة صديقة للبيئة ومبتكرة في الوقت نفسه.

أما بالنسبة لـ«النفايات»، أي المخلفات الناتجة عن فشل الطباعة أو الهياكل الداعمة أو قصاصات الزوايا، فإن إعادة تدويرها أكثر صعوبة نسبيًا، لكن تظل هناك عدة طرق لتحقيق ذلك. على سبيل المثال، يمكن سحق نفايات تقنية FDM وخلطها مع مادة جديدة بنسب محددة لاستخدامها في طباعة نماذج لا تتطلب مقاومة عالية؛ أما نفايات الراتنج الناتجة عن الطباعة بالمعالجة الضوئية (SLA/DLP)، فيمكن إعادة استخدامها بعد تنقية الشوائب بواسطة معدات متخصصة؛ كما أن مخلفات مسحوق الطباعة ثلاثية الأبعاد المعدنية، بعد غربلتها وتعديل تركيبها، يمكن إعادة استعمالها في الطباعة مرة أخرى. والأهم من ذلك، أن بعض الشركات الابتكارية باتت تستكشف تحويل نفايات الطباعة ثلاثية الأبعاد إلى منتجات أخرى: فمثلاً، يتم معالجة نفايات البلاستيك لتصنيع بلاط ممرات الحدائق، أو خلطها مع الخشب لإنتاج مواد مركبة تُستخدم في تصنيع الأثاث.

تحديات إعادة الاستخدام الثانوي وحلولها

على الرغم من الآفاق الواعدة لإعادة الاستخدام الثانوي، لا تزال هناك تحديات عديدة في التطبيق العملي. أولًا، العائق التقني: يفتقر المستخدمون الأفراد إلى المعدات المتخصصة، وقد يؤدي سوء التحكم في درجة الحرارة أثناء عملية إعادة التدوير إلى تفحّم المواد أو ظهور فقاعات هوائية. ثانيًا، مشكلة التكلفة: تتراوح أسعار آلات إعادة التدوير الصغيرة بين بضعة آلاف إلى عشرات الآلاف من اليوان، مما يجعل نسبة العائد إلى الاستثمار منخفضة بالنسبة للمستخدمين العاديين. وأخيرًا، غياب المعايير الموحدة: تفتقر المواد المعاد تدويرها إلى معايير موحدة لتحديد أدائها، ما يصعّب على المستخدمين تحديد التطبيقات المناسبة لها.

في مواجهة هذه التحديات، يسعى القطاع إلى استكشاف حلول متعددة. فمن جهة، تقدّم بعض شركات الطباعة ثلاثية الأبعاد خدمة «استبدال القديم بالجديد»، حيث يمكن للمستخدمين إرسال المواد المتبقية أو النفايات إلى الشركة، التي تتولى جمعها ومعالجتها بشكل موحّد باستخدام معدات متخصصة، مقابل إعادة تقديم مواد استهلاكية جديدة أو خصومات على خدمات الطباعة. ومن جهة أخرى، تشهد مجتمعات المصادر المفتوحة ومساحات الصناعات التحويلية ظهور العديد من حلول إعادة التدوير منخفضة التكلفة؛ فعلى سبيل المثال، يتم استخدام مسدسات الغراء الساخن المُعاد تعديلها أو رؤوس البثق في طابعات ثلاثية الأبعاد لصهر المواد المتبقية ثم سحبها يدويًا على شكل خيوط؛ وهي طريقة أقل كفاءة لكنها تناسب المستخدمين الأفراد. بالإضافة إلى ذلك، تعمل الجمعيات الصناعية على دفع عملية وضع معايير لأداء المواد المعاد تدويرها، بما يوفّر مرجعًا معياريًا للسوق.

من الفرد إلى القطاع: بناء اقتصاد دائري للطباعة ثلاثية الأبعاد

إن إعادة الاستخدام الثانوي لمواد الطباعة ثلاثية الأبعاد لا يُعدّ مجرد «حيلة لتوفير النفقات» لدى المستخدمين الأفراد فحسب، بل يشكّل أيضاً مفتاحاً للتنمية المستدامة في القطاع. فمن الناحية الفردية، يمكن تقليل هدر المواد بشكل ملحوظ من خلال التخطيط السليم لمهام الطباعة، وتحسين تصميم النماذج (مثل تقليل الدعامات واستخدام الهياكل المفرغة)، واختيار المواد القابلة لإعادة التدوير (مثل PLA الذي يتحلّل بسهولة أكبر من ABS). أما على صعيد الصناعة، فيتعيّن تعزيز الابتكار التقني وتطوير عمليات ومعدات إعادة تدوير أكثر كفاءة؛ وفي الوقت نفسه، ينبغي تحسين نظام إعادة التدوير وإنشاء سلسلة مغلقة تمتد من المستهلك إلى المصنّع، بما يضمن استثمار كل غرام من المواد على أكمل وجه.

في المستقبل، ومع تقدّم علوم المواد وانتشار مفهوم الاقتصاد الدائري، قد يتحرر الطباعة ثلاثية الأبعاد من صفة «الاستهلاك المفرط» لتصبح نموذجًا للتصنيع الأخضر. ويقتضي هذا التحوّل مشاركة كل مستخدم؛ فابدأ اليوم، على سبيل المثال، بتنظيم ما تراكم لديك من بقايا المواد والنفايات، واكتشف طريقك الخاص نحو تحويل النفايات إلى كنوز.

أخبار ذات صلة

undefined

undefined